إذا أخبركِ طبيبكِ مؤخراً أنكِ تعانين من قصور في الغدة الدرقية، فهناك احتمال كبير جداً أن يكون السبب الحقيقي وراء ذلك هو مرض هاشيموتو.
بل إن هاشيموتو يُعد، في البلدان التي لا تعاني من نقص اليود، السبب وراء أكثر من ٩٠٪ من حالات قصور الغدة الدرقية الأولي.
ومع ذلك، تفاجأ كثير من النساء بعد معرفتهن بأن لديهن قصوراً في الغدة الدرقية أن أحداً لم يخبرهن لماذا حدث ذلك أصلاً. وسؤال "لماذا" مهم للغاية.
فمن أهم الأمور التي تعلمناها مع تطور الطب، أن ما نراه أمامنا ليس دائماً هو المكان الذي بدأت منه القصة.
لنفترض مثلاً أن امرأة اكتشفت أنها تعاني من فقر الدم (الأنيميا). ما الذي عرفناه؟ عرفنا أن عدد خلايا الدم الحمراء أو كمية الهيموغلوبين لديها أصبحت أقل من الطبيعي. لكن فقر الدم هو العرض الواضح، وهو نتيجة.
يبقى السؤال الحقيقي: لماذا أصيبت بفقر الدم؟ هل السبب نقص الحديد؟ أم نقص فيتامين B12؟ أم نزيف مزمن؟ أم مشكلة في الكلى؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد مجرى العلاج الصحيح.
والأمر نفسه ينطبق على الغدة الدرقية. فقصور الغدة يخبرنا أن الغدة لم تعد تنتج كمية كافية من الهرمونات لتلبية احتياجات الجسم، لكنه لا يخبرنا لماذا وصلت إلى هذه المرحلة.
فهناك أسباب مختلفة قد تؤدي إلى قصور الغدة الدرقية، مثل:
- •نقص اليود
- •استئصال الغدة الدرقية جراحياً
- •العلاج باليود المشع
- •بعض الأدوية
- •وفي حالات نادرة، اضطرابات في الغدة النخامية
لكن بالنسبة لمعظم النساء، فإن القصة تبدأ قبل سنوات، وحتى قبل أن تبدأ الغدة الدرقية بالتراجع في أداء وظيفتها. وتلك القصة اسمها مرض الهاشيموتو.
ما هو مرض الهاشيموتو؟
على الرغم من أن الهاشيموتو يصيب الغدة الدرقية، إلا أن بدايته الحقيقية تكون في جهاز المناعة.
يقوم جهاز المناعة بواحدة من أكثر المهام روعة في جسم الإنسان. ففي كل ثانية، يُميّز بين ما ينتمي إلى جسمكِ (صديق) وما لا ينتمي إليه (عدو). يتعرف على الفيروسات، والبكتيريا، والطفيليات، وغيرها من الكائنات الضارة، ثم يعمل بلا توقف لحمايتكِ منها.
وفي معظم الأحيان، يقوم بهذه المهمة بدقة مذهلة. لكن أحياناً يحدث خلل لأسباب ما زال العلماء يواصلون البحث لفهمها بشكل كامل، فيبدأ جهاز المناعة بالخطأ في اعتبار أحد أنسجة الجسم جسماً غريباً يجب التخلص منه.
في مرض الهاشيموتو، تكون الضحية هي الغدة الدرقية. فبدلاً من أن يحميها كما خُلق ليفعل، يبدأ تدريجياً بمهاجمة خلاياها.
مرض يتطور بصمت
بعكس الالتهابات الحادة التي تظهر فجأة، يتطور مرض الهاشيموتو ببطء شديد، وأحياناً على مدى سنوات طويلة.
شيئاً فشيئاً، تدخل الخلايا المناعية إلى الغدة الدرقية وتبدأ بمهاجمة خلاياها. ويبدأ الالتهاب. ومع مرور الوقت، تتعرض خلايا الغدة السليمة للتلف تدريجياً.
قد تتوقعين أن تنخفض هرمونات الغدة مباشرة. لكن المدهش أن الغدة الدرقية تمتلك قدرة رائعة على التعويض.
فلفترة طويلة، تستطيع الخلايا السليمة المتبقية أن تعمل بجهد أكبر لتعوض الخلايا التي فُقدت. ولهذا السبب قد تبقى تحاليل الغدة طبيعية تماماً رغم أن الهجوم المناعي مستمر. وقد لا تشعرين بأي أعراض في البداية، أو قد تلحظين تغيرات بسيطة يسهل تجاهلها، مثل التعب، أو الشعور بالبرد أكثر من المعتاد، أو الإمساك، أو جفاف البشرة، أو ازدياد تساقط الشعر.
لكن مع مرور السنوات، ومع استمرار تلف خلايا الغدة، تصل إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على إنتاج كمية كافية من الهرمونات لتلبية احتياجات الجسم. عندها فقط يظهر قصور الغدة الدرقية.
غالباً ما يبدأ مرض الهاشيموتو قبل سنوات من ظهور قصور الغدة، وقصور الغدة ليس إلا الفصل الأخير من قصة بدأت بصمت منذ زمن.
كيف نعرف أن السبب هو الهاشيموتو؟
بما أن الهاشيموتو مرض مناعي ذاتي، فإن أحد أهم الأدلة على وجوده هو ظهور الأجسام المضادة للغدة الدرقية في الدم. وأكثر الفحوصات استخداماً هما:
الأجسام المضادة لإنزيم بيروكسيداز الغدة الدرقية (TPO Antibodies)
وهي أكثر الأجسام المضادة شيوعاً في مرض الهاشيموتو، ووجودها يدعم التشخيص بشكل كبير. لكن ارتفاعها لا يخبرنا بالضرورة عن شدة المرض أو مقدار التلف الذي أصاب الغدة.
الأجسام المضادة للثيروغلوبيولين (Tg Antibodies)
وقد تكون مرتفعة أيضاً لدى البعض، وتساعد في دعم التشخيص، خاصة إذا كانت أجسام TPO طبيعية رغم وجود شك قوي بمرض الهاشيموتو.
وأحياناً يعطينا تصوير الغدة الدرقية بالموجات فوق الصوتية (السونار) دليلاً إضافياً. فمع استمرار الالتهاب، تكتسب الغدة مظهراً مميزاً يستطيع طبيب الأشعة التعرف عليه.
وعندما نجمع بين تحاليل هرمونات الغدة، والأجسام المضادة، وصورة السونار، تصبح الصورة أوضح بكثير.
لماذا يهمنا أن نعرف السبب؟
قد تتساءلين: "إذا كنت أعلم أن لدي قصوراً في الغدة، وأتناول هرمون الغدة كل يوم، فما الفائدة من معرفة أن السبب هو الهاشيموتو؟" وهو سؤال مهم جداً.
الإجابة أن معرفة السبب تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى المرض. فبدلاً من أن نعتقد أن الغدة الدرقية توقفت عن العمل فجأة، ندرك أن هناك عملية مناعية كانت تتطور بهدوء منذ سنوات.
صحيح أن هذا لا يغيّر دائماً الحاجة إلى تناول هرمون الغدة عندما تصبح غير قادرة على إنتاج ما يكفي منه، لكنه يفتح أمامنا باباً مهماً آخر.
هل نستطيع دعم جهاز المناعة ليعمل بطريقة أكثر توازناً؟ هل يمكننا التقليل من بعض العوامل التي قد تساهم في استمرار الالتهاب والهجوم على الغدة؟
هل يمكن للتغذية، والنوم الجيد، والتعامل مع الضغوط النفسية، والنشاط البدني، وتصحيح نقص بعض العناصر الغذائية، والاهتمام بصحة الأمعاء، أن تساعد في دعم توازن جهاز المناعة وتحسين الصحة العامة؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه العوامل قد تلعب دوراً مهماً في دعم جهاز المناعة وتحسين الصحة العامة لدى كثير من المصابين بالأمراض المناعية الذاتية. وسوف نتناول ذلك بالتفصيل في مقالات أخرى قادمة بإذن الله.
سؤال يستحق التأمل
إذا كان مرض هاشيموتو قد يبدأ قبل سنوات طويلة من ظهور قصور الغدة الدرقية، فكم من الأمراض المزمنة الأخرى قد تبدأ هي أيضاً بصمت، قبل سنوات من ظهور أول أعراضها؟

